أبي حيان الأندلسي
555
البحر المحيط في التفسير
من آمن ؛ وَعَمِلَ صالِحاً ، فإيمانه وعمله يقربانه . وقال الزجاج : هو بدل من الكاف والميم في تقربكم ، وقال النحاس : وهذا غلط لأن الكاف والميم للمخاطب ، فلا يجوز البدل ، ولو جاز هذا لجاز : رأيتك زيدا ؛ وقول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء . انتهى . ومذهب الأخفش والكوفيين أنه يجوز أن يبدل من ضمير المخاطب والمتكلم ، لكن البدل في الآية لا يصح . ألا ترى أنه لا يصح تفريغ الفعل الواقع صلة لما بعد إلا ؟ لو قلت : ما زيد بالذي يضرب إلا خالدا ، لم يصح . وتخيل الزجاج أن الصلة ، وإن كانت من حيث المعنى منفية ، أنه يصح البدل ، وليس بجائز إلا فيما يصح التفريغ له . وقد اتبعه الزمخشري فقال : إِلَّا مَنْ آمَنَ استثناء من كم في تقربكم ، والمعنى : أن الأموال لا تقرب أحدا إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل اللّه ؛ والأولاد لا تقرب أحدا إلا من علمهم الخير وفقهم في الدين ورشحهم للصلاح والطاعة . انتهى ، وهو لا يجوز . كما ذكرنا ، لا يجوز : ما زيد بالذي يخرج إلا أخوه ، ولا ما زيد بالذي يضرب إلا عمرا ، ولا ما زيد بالذي يمر إلا ببكر . والتركيب الذي ركبه الزمخشري من قوله : لا يقرب أحدا إلا المؤمن ، غير موافق للقرآن ؛ ففي الذي ركبه يجوز ما قال ، وفي لفظ القرآن لا يجوز . وأجاز الفراء أن تكون من في موضع رفع ، وتقدير الكلام عنده ما هو المقرب إِلَّا مَنْ آمَنَ . انتهى . وقوله كلام لا يتحصل منه معنى ، كأنه كان نائما حين قال ذلك . وقرأ الجمهور : جَزاءُ الضِّعْفِ على الإضافة ، أضيف فيه المصدر إلى المفعول ، وقدره الزمخشري مبنيا للمفعول الذي لم يسم فاعله ، فقال : أن يجاوز الضعف ، والمصدر في كونه يبنى للمفعول الذي لم يسم فاعله فيه خلاف ، والصحيح المنع ، ويقدر هنا أن يجاوز اللّه بهم الضعف ، أي يضاعف لهم حسناتهم ، الحسنة بعشر أمثالها ، وبأكثر إلى سبعمائة لمن يشاء . وقرأ قتادة : جزاء الضعف برفعهما ؛ فالضعف بدل ، ويعقوب في رواية بنصب جزاء ورفع الضعف ، وحكى هذه القراءة الداني عن قتادة ، وانتصب جزاء على الحال ، كقولك : في الدار قائما زيد . وقرأ الجمهور : فِي الْغُرُفاتِ جمعا مضموم الراء ؛ والحسن ، وعاصم : بخلاف عنه ؛ والأعمش ، ومحمد بن كعب : بإسكانها ؛ وبعض القراء : بفتحها ؛ وابن وثاب ، والأعمش ، وطلحة ، وحمزة : وأطلق في اختياره في الغرفة على التوحيد ساكنة الراء ؛ وابن وثاب أيضا : بفتحها على التوحيد . ولما ذكر جزاء من آمن ، ذكر عقاب من كفر ، ليظهر تباين الجزأين ، وتقدم تفسير نظير هذه الكلمة . ولما كان افتخارهم بكثرة الأموال والأولاد ، أخبروا أن ذلك على ما شاء اللّه كبر ، وذلك المعنى تأكيد